
خيوط الأمل في زمن الحرب
قلم/وائل عبد السيد
في مدينة أوربية عريقة، حيث كانت أجراس الكنائس تمتزج بضجيج الجنود، عاشت “إيلين”، الخياطة الشابة التي كانت تملك محلاً صغيراً في ركن من أركان الساحة العامة. لم يكن محلها مجرد مكان لترزي الملابس، بل كان مخبأً للأسرار والرسائل المكتوبة بخط اليد.
اللقاء الأخير
في صباح أحد أيام خريف عام 1944، دخل القائد “فريدريك” إلى المحل. كان يرتدي بزته العسكرية الأنيقة التي تعكس صرامة منصبه، ويحمل في يده حقيبة جلدية سوداء ثقيلة. لم يأتِ فريدريك ليطلب إصلاح بذته هذه المرة، بل جاء ليودع.
كان فريدريك مكلفاً بمهمة على الجبهة البعيدة، وكان يعلم أن العودة قد تكون مستحيلة. نظر إلى إيلين وهي تجلس خلف ماكينة الخياطة، منشغلة بكتابة شيء ما في دفترها الصغير. كانت تبدو هادئة، لكن عينيها كانتا تخفيان قلقاً عميقاً.
الرسالة المخفية
قال فريدريك بصوت هادئ: “إيلين، لقد وضعتُ في هذه الحقيبة أوراقي الهامة، وإذا لم أعد، أريدكِ أن تسلميها إلى العنوان المكتوب في الداخل.”
توقفت إيلين عن الكتابة، ونظرت إليه مطولاً. لم تجب بكلمات، بل قامت بمد يدها وأخذت منه قطعة قماش صغيرة كانت قد خاطت فيها “تميمة” مخفية، وقالت: “خياطة الملابس تعلمك أن لكل ثقب حلاً، ولكل ممزق وصلاً.. عد يا فريدريك، فالمدينة لا تليق بها العتمة.”
بين الواجب والقلب
وقف فريدريك في منتصف المحل، وظهره للشارع المزدحم بالناس والحقائب والمسافرين. كانت الساحة خلفه تعج بالحركة؛ جنود يرحلون، وعائلات تودع أحباءها. وفي تلك اللحظة، التقطت هذه “الصورة” الخالدة:
إيلين: تجلس بوقارها المعتاد، تمسك قلمها لتدون آخر كلمات الوعد.
فريدريك: يقف بصلابة عسكرية، لكن نظرة عينيه كانت متجهة نحو مستقبل مجهول.
النهاية
مرت الشهور، وانتهت الحرب. تهددت المباني وتغيرت ملامح الساحة، لكن محل إيلين ظل قائماً. وفي يوم مشمس، وبينما كانت إيلين تجلس في نفس مكانها، سمعت وقع أقدام مألوف على الحجر القديم خارج المحل. رفعت رأسها، ورأت رجلاً بملابس مدنية بسيطة، يحمل في يده قطعة القماش التي خاطتها له.
لقد عاد فريدريك، ليس كقائد عسكري، بل كإنسان يبحث عن السكينة التي وجدها يوماً بين خيوط إيلين.






